راعيها
19-12-2008, 12:00 PM
وجدت هذا المقال في ملحق جريدة الاتحاد - الثقافي لكاتبه عماري السنجري
http://www2.0zz0.com/2007/11/22/09/99955117.jpg
خواطر تراثية
قد لا تسر الخاطر!
خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، تعتبر فترة هامة في تاريخ الامارات الحديث إذ تم فيها اكتشاف النفط الذي أدّى الى إفراز تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبرى في المجتمع ككل. ومن أهم هذه التحولات ولادة الاتحاد عام 1971م، وبناء مجتمع الدولة الحديثة الطموحة والبدايات لمسيرة التنمية والتحديث في الإمارات. كنت قد التقيت عدة شخصيات من كبار السن وأجريت معها عدة حوارات جاءت على شاكلة حفر في ذاكرة التاريخ، ذلك التاريخ غير المدوّن الذي يتشكل من خلال تراكم هذه التجارب لأبناء الإمارات وقياداتهم الوطنية الرشيدة. إن مجمل حصاد ذاكرتهم يعطي القارئ صورة كلايد سكوبية عن التحولات التي حلت بالزمان والمكان في مجتمع الامارات العربية المتحدة. وفي هذا تكمن فائدة التاريخ الشفاهي Oral History لأهل التاريخ وكل العاملين في العلوم الاجتماعية المختلفة وكذلك للمهتمين بالدراسات التراثية.
لعل القارئ يتساءل كيف تهيّأت لي فرص التّعرف على هذه الشخصيات التي تمثل حياة كل منهم سجلا تاريخيا للامارات وان ظلّ هذا السجل صغيرا ومشخصناً. كيف عشت معهم، وتجربتي الشخصية كإنسان وباحث عشت في وسطهم وحظيت بتعاونهم وأريحيّتهم وعطائهم الذاتي لخدمة هذا المشروع الوثائقي الهام الذي أشتغل عليه منذ سنوات طويلة.
تجربة في العين
عشت في مدينة العين مدة تزيد على الربع قرن من الزمان، وعشت ربما ضعف هذه المدة وأكثر من خلال ما كنت أسمعه من حكايات وقصيد بدوي شعبي بلهجة أهل الإمارات. كنت ومنذ فترة طويلة لا أدري بالضبط متى بدأت وأحسب أنها كانت في النصف الثاني من الثمانينينات، تمتد لتملأ أكثر سنيّ عمري، عمر الإنسان الذي يعشه لمرة واحدة، مرة واحدة فقط، هكذا عشت أكثر من ثمانية وعشرين عاما تقريبا بين الحنين الى زمن مضى وانقضى لم أعشه بالطبع، لأنه ببساطة كان قد مرّ قبل أن أولد، وبين زمن تبيّنت عوالمه من أفواه الرواة والشعراء الذين التقيتهم فيما بعد، خاصة من بدو الامارات الذين عدّوني واحدا منهم، ولي الفخر بذلك، حين يعدّك كبير السّن منهم ابنا من أبنائه، والمقارب لك في العمر يعدك أخا أصغر، أو خويّا له، والمخوّة برأيي درجة أرقى وأعلى من الصداقة، لتتولد تلك العلاقة الحميمة التي سوف تطغى على ما كان مقدرا لي أن أعشه دون هذا النّبش الممتع في حيوات وذاكرة رواتي وشعرائي الطيّبين. بدأت الكشف عن حيواتهم كشفا علّه أقرب لكشف المسافر الذي تتكشف أمامه بلدان لم يعرفها سابقا.
.. وفي الهير
عملت لسنوات طويلة بعد تخرّجي في جامعة الإمارات عام 1984م، في قرية قريبة من العين اسمها ''الهير''، أستطيع أن أعتبرها اليوم هي مسقط رأسي المعنوي إذ إنها كذلك مسقط وعيي ان صحّت التّسمية. أثّرت تجربتي في الهير فيما بعد على اتّجاهاتي الكتابية والبحثية، وغيّرتها بصورة واضحة، من الاتجاه الى الشعر وقصيدة النثر والأدب، إلى الاهتمام بالتراث بمعناه الواسع والشمولي الذي قادني الى أدب الرحلة والاستشراق في مرحلة تالية.
لقد أتاحت لي السكنى في الهير التعرّف عن قرب على عالم البدو الذي بدأ يتغيّر بسرعة. وقد أحببت عالمهم الرائع من خلال القصيد، أو الشعر النبطي أو كما يسمى بالشعر العامي أوالشعر الشعبي أو البدوي. وفتّح لي هذا الشعر آفاقا كنت أتحسّسها أكثر في مشاعرهم المتدفّقة من خلال عدّهم لهذا القصيد الذي يجيدونه، وكأنه إكسير الحياة الذي يجعلهم يواصلون العيش وكأنهم لم يغادروا تلك الخيام التي عاشوا فيها سنوات الشظف والحرمان، وظهور تلك المطايا التي عشقوها وبادلوها أيام الرّخاء وفاء بوفاء. وقعت في غرام هذا العالم الرائع الذي كتب عنه فقط عدد من الرّحالة والمستشرقين الغربيين، والإداريين من الانجليز الذين كانوا آخر المتواجدين في هذه المنطقة، وأعجبت بقيم هذا العالم، قيم الخير والمحبة والتضامن، وما كان آباؤنا وأجدادنا يربّوننا عليه خاصة نحن ذوي الخلفيّات القبلية العشائرية الطابع (القبلية والعشائرية بمعانيها الإيجابية). في الحقيقة لم أكن غريبا عن هذا العالم الذي اعتبرت ''القصيد'' مرتكزا أساسيا له. وجدت في عملي البحثي الذي مارسته لسنوات، والذي اعتمد أساسا على اجراء مقابلات مع كبار السن، بحد ذاته عملا ليس سهلا، وكان ولازال يثير عجبي واستغرابي استسهال البعض لهذا الأمر، سواء من بعض الإخوة الزملاء من الصحفيين أو حتى بعض الباحثين (أو على الأقل يفترض أنهم باحثون حسب مسمياتهم الوظيفية) حتى لا نعمّم، إذ إنه يتطلب دقة في التسجيل والتوثيق وقبل ذلك جديّة في الإعداد والتحضير للأسئلة والإلمام بخلفيات الموضوع المراد البحث فيه، حيث إن المعلومات المستخلصة سترفد وستبقى للأجيال القادمة. إن عملية تفريغ الأشرطة نصوصا توثيقية تتطلّب من الباحث التّأنّي والصبر وكذلك معرفة اللّهجات، ففي الإمارات هناك عدّة لهجات وليس لهجة واحدة فقط.
الواقع والكتابة
قد لا نستغرب اليوم من صحفي لا علاقة له بالتراث البدوي يكتب عن رحلة قنص مثلاً، وهو لا يمكنه لفظ الكلمة ونطقها النطق الصحيح، والأهم من ذلك أنه لم يكلف نفسه ويقرأ على الأقل كتابا أو يرجع الى مصدر، ومع ذلك يُقحم نفسه في مجال لا يفقه فيه، وبنفس المستوى لا نستغرب وجود باحثين في الشعر النبطي المحلي، كما اعتادوا أن يقدموا أنفسهم في وسائل الاعلام، يتحدثون عن جهودهم في جمعه وتحقيقه بل وينظّرون في هذا المجال، ويؤلفون الكتب ويصدرونها، وهم لا يعرفون كيف يقرأون هذا الشعر ولا يمكنهم نطق مفرداته النطق الصحيح ناهيك عن فهمهم لمعانيها. وهنا قد يقول قائل، لكن المستشرقين أيضاً كانوا يبحثون في الشعر النبطي وتراث البدو والبداوة وهم ليسوا عربًا ولا بدواً، ورغم أن المقارنة هنا قد تكون مجحفة برأينا بين باحث عادي، أو لنقل مدّعي بحث ومستشرق، ولسنا ممن يتعصبون للغرب في كل شيء، ولكن الحق يقال، وحسب اطلاعنا، فإن مستشرقاً أراد أن يكتب عن عادات وتقاليد قبيلة من القبائل العربية، لكنه قبل ان يشرع في الكتابة بحث أولاً، وتعلّم اللغة العربية حتى أتقنها قراءة وكتابة، وقرأ كَمّا من المراجع، ثم جاء بعد ذلك من بلده حيث العيش الناعم الرغيد ونزل الميدان، مستعداً لعمل ميداني شاق، فعاش بين أبناء هذه القبيلة في خيمة في الصحراء يتنقل معهم حيث يذهبون صيفاً وشتاءً ولمدة ثماني سنوات ليخرج بكتاب عنوانه ''عادات وتقاليد بدو الرولة'' ذلك ما فعله المستشرق النمساوي أو التشيكي الويس موزل، فمن يمكن أن يفعله من باحثينا اليوم ونحن في عصر العولمة وسهولة الاتصالات حتى بات فيه العالم من حولنا قرية كونية واحدة!
لا زلنا نتكلم عن ضرورة العمل الميداني، وضرورة تسجيل جمع الروايات الشفهية، ولكن ماذا قدّمنا نحن كباحثين بعد مضي أكثر من ربع قرن. رغم اننا ومن الإنصاف ينبغي أن نعترف أن الجهود لا زالت فردية والعمل المؤسسي لا زال قاصراً ويحتاج الى إعادة نظر. رغم ان الباحثين في التراث المحلي الاماراتي يعدّون على أصابع اليد، لكن جهودهم لا زالت مشتتة لا رابطة أو جمعية تجمعهم ولا مؤسسة تنصفهم وبكل صراحة وأتكلم عن تجربة لا زالوا إلى اليوم لا يعاملون المعاملة اللائقة!
جمع الروايات
تعوّدت أن أحرّر مادّة المقابلات المفرّغة حال تفريغها بنفسي، حتى لا تفقد ذلك الزّخم الذي قيلت فيه.. مرّت عليّ أيام سكنت لوحدي في هذه القرية الوادعة، وكنت ولا زلت على علاقة جيّدة مع أبنائها من الجيل الشاب، ونتيجة لاندماجي بمجتمع ''الهير''، حسبت نفسي واحدا من أهله، حتى بت أعرف الولد الصغير وأخاه الأكبر وأباه وأمه وجدّه وجدّته لأني كنت أتعامل مع كل هؤلاء في حياتي اليومية العادية. حتى أذكر اني كنت أحضر أشواط سباقات الهجن التي كان يحضرها أهالي الهير في منطقة ''مركاض الجبيب'' القريبة منذ ساعات الفجر الأولى، وقد صوّرت بعضها بكامرتي. كنت أتابع كما يتابع ذوو الشأن من أصحاب الهجن الأصايل مجريات السباق على الارض في المضمار، وليلا كنت أستكمل ما فاتني من المشاهد بمتابعة الاشواط على شاشة التلفزيون، والتي كان لأهالي الهير نصيب كبير في الفوز بـ ''الشّارات'' والجوائز التي كان يرصدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات ''طيّب الله ثراه''، حتّى أذكر أن أهالي الهير لقّبوني في ذلك الوقت بـ ''راعي الشّبلة'' وهو لقب لا أنكر أني أحببته. كنت أنشر بعض قصائد النثر في صحيفة ''الخليج'' وقتها، وأكتب بعض المقالات الأسبوعية ذات النّفس الشعري على صفحتها الأخيرة، وفي مجتمع الهير الذي وجدت فيه ضالّتي كما يقولون، كانت بوصلة تفكيري قد اتجهت نهائيا ناحية البحث عن الزّمن القديم، زمن الذاكرة والتاريخ. لقد قضيت سنوات في الهير كانت في الحقيقة فصلا هاما في حياتي وتكويني، رحيق عمري الذي مرّ ولن يتكرّر كما أظن. كان لا بد من وسيلة من الوسائل لاصطياد تلك اللحظات الهاربة من العمر الى غير رجعة، قيّدوا العلم بالكتابة، هكذا قال علماء أمّتنا الأفذاذ، وهكذا فعلت. سكنت في الهير في غرفة، سميتها صومعتي، وكانت فسحة أسطّر فيها تجاربي وتجلّياتي وأهدافي.
أول حديث أجريته عن الحياة قديما في الهير، قبل بناء المساكن الشعبية، كان مع الوالد سعيد بن سالم الكتبي المعروف بالسّعودي، وأخيه الوالد حماد بن سالم الكتبي رحمهما الله، ومعهما الوالد مفرح بن محمد بن ثاني بالرويس الكتبي والشاعر معيوف بن شوين الكتبي وكان ذلك أول لقاء وكان قصيرا ونشر في احد ملاحق صحيفة ''الخليج'' وقتها.. كنت أبحث عن بعض الصور القديمة لوجوه حميمة التقيتها، وجدت صورهم، الراحلين منهم والباقين، فأجريت حوارا مع من بقي منهم، أطال الله في أعمارهم، وحوارات عن حياة من رحل منهم عرفانا وتخليدا لذكراهم وضعتها في كتاب أتمنى أن يصدر قريباً.
جمعت الكثير من الحكايات والروايات التاريخية غير المدونة والكثير من القصائد التي يستمتع بها السامع، بل وينتشي لها طربا، وقد كتبتها مدونة مباشرة من أفواه الرواة أو الشعراء أنفسهم. كنت، ولا زلت في مطاردة يومية مع الزمن وتقلباته وأحواله مثلي مثل غيري من البشر، فالزمن يمضي ولا يتوقف، ونحن نعد المحطات التي نمر بها، حتى عندما أنام ليلا، أساجل النوم العصّي أحيانا، تتراءى لي صورهم، وجوههم البشوشة، الطيبة، عبارات الترحيب التي تأسرك، كرمهم وأريحيتهم، ودّهم الخالص دون تزويق أو نفاق عصري اعتدناه اليوم، صدق التعامل، وبساطة الانسان الاماراتي الذي عاش قسوة الماضي بصبر ودأب، ساعيا في الأرض، يجري أحيانا متغربا عن وطنه، أو مصارعا لجاج البحر وأهواله، بحثا عن لقمة العيش والرزق الحلال، وسجّل تلك المعاناة بقصيدة، التقطتها منه في لحظة تجلّي ودوّنتها، فرحاً بما حصلت عليه من بديع الكلام، وهي عند العربي منذ القدم ليست صنعة وحرفة، بل هي نبع من حياته ودفق من روحه. هي أسلوبه الابداعي ورؤاه الجمالية.
يقول أهل الأنثروبولوجيا إن الباحث يولد مرّتين، الأولى عندما تلده أمه أما الثانية فهي عندما يولد من جديد عبر تجربة بحث ميداني زاخرة، تدفع به ليكتشف عوالم الآخرين وتواريخهم، وسيكتشف في الوقت ذاته عالمه الفردي والذاتي. نعم أحس اليوم فعلا وكأن الهير هي كما ذكرت في البداية، مكان ولادتي الثانية.
ومهما سطّرت من تقدير عظيم وشكر جزيل لأهل الهير فرداً فرداً، إذ إن قريتهم قد أصبحت قريتي وقرية للمؤرخين والأجيال القادمة ليكتشفوا من خلال عالمها عوالم ماضي الإمارات وتاريخها، والى كل آبائي من رواة وشعراء التقيتهم وسجلت منهم، والى أبنائهم والى كل من دلّني على راوٍ أو شاعر، لهم مني عميق الشكر والامتنان.
تم ارفاق صور مع المقال ( في الجريدة ) للشاعر مهير بن دري الكتبي والشاعر دغاش بن محمد العامري
اول مره اعرف ان دغاش شاعر !!
http://www2.0zz0.com/2007/11/22/09/99955117.jpg
خواطر تراثية
قد لا تسر الخاطر!
خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، تعتبر فترة هامة في تاريخ الامارات الحديث إذ تم فيها اكتشاف النفط الذي أدّى الى إفراز تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبرى في المجتمع ككل. ومن أهم هذه التحولات ولادة الاتحاد عام 1971م، وبناء مجتمع الدولة الحديثة الطموحة والبدايات لمسيرة التنمية والتحديث في الإمارات. كنت قد التقيت عدة شخصيات من كبار السن وأجريت معها عدة حوارات جاءت على شاكلة حفر في ذاكرة التاريخ، ذلك التاريخ غير المدوّن الذي يتشكل من خلال تراكم هذه التجارب لأبناء الإمارات وقياداتهم الوطنية الرشيدة. إن مجمل حصاد ذاكرتهم يعطي القارئ صورة كلايد سكوبية عن التحولات التي حلت بالزمان والمكان في مجتمع الامارات العربية المتحدة. وفي هذا تكمن فائدة التاريخ الشفاهي Oral History لأهل التاريخ وكل العاملين في العلوم الاجتماعية المختلفة وكذلك للمهتمين بالدراسات التراثية.
لعل القارئ يتساءل كيف تهيّأت لي فرص التّعرف على هذه الشخصيات التي تمثل حياة كل منهم سجلا تاريخيا للامارات وان ظلّ هذا السجل صغيرا ومشخصناً. كيف عشت معهم، وتجربتي الشخصية كإنسان وباحث عشت في وسطهم وحظيت بتعاونهم وأريحيّتهم وعطائهم الذاتي لخدمة هذا المشروع الوثائقي الهام الذي أشتغل عليه منذ سنوات طويلة.
تجربة في العين
عشت في مدينة العين مدة تزيد على الربع قرن من الزمان، وعشت ربما ضعف هذه المدة وأكثر من خلال ما كنت أسمعه من حكايات وقصيد بدوي شعبي بلهجة أهل الإمارات. كنت ومنذ فترة طويلة لا أدري بالضبط متى بدأت وأحسب أنها كانت في النصف الثاني من الثمانينينات، تمتد لتملأ أكثر سنيّ عمري، عمر الإنسان الذي يعشه لمرة واحدة، مرة واحدة فقط، هكذا عشت أكثر من ثمانية وعشرين عاما تقريبا بين الحنين الى زمن مضى وانقضى لم أعشه بالطبع، لأنه ببساطة كان قد مرّ قبل أن أولد، وبين زمن تبيّنت عوالمه من أفواه الرواة والشعراء الذين التقيتهم فيما بعد، خاصة من بدو الامارات الذين عدّوني واحدا منهم، ولي الفخر بذلك، حين يعدّك كبير السّن منهم ابنا من أبنائه، والمقارب لك في العمر يعدك أخا أصغر، أو خويّا له، والمخوّة برأيي درجة أرقى وأعلى من الصداقة، لتتولد تلك العلاقة الحميمة التي سوف تطغى على ما كان مقدرا لي أن أعشه دون هذا النّبش الممتع في حيوات وذاكرة رواتي وشعرائي الطيّبين. بدأت الكشف عن حيواتهم كشفا علّه أقرب لكشف المسافر الذي تتكشف أمامه بلدان لم يعرفها سابقا.
.. وفي الهير
عملت لسنوات طويلة بعد تخرّجي في جامعة الإمارات عام 1984م، في قرية قريبة من العين اسمها ''الهير''، أستطيع أن أعتبرها اليوم هي مسقط رأسي المعنوي إذ إنها كذلك مسقط وعيي ان صحّت التّسمية. أثّرت تجربتي في الهير فيما بعد على اتّجاهاتي الكتابية والبحثية، وغيّرتها بصورة واضحة، من الاتجاه الى الشعر وقصيدة النثر والأدب، إلى الاهتمام بالتراث بمعناه الواسع والشمولي الذي قادني الى أدب الرحلة والاستشراق في مرحلة تالية.
لقد أتاحت لي السكنى في الهير التعرّف عن قرب على عالم البدو الذي بدأ يتغيّر بسرعة. وقد أحببت عالمهم الرائع من خلال القصيد، أو الشعر النبطي أو كما يسمى بالشعر العامي أوالشعر الشعبي أو البدوي. وفتّح لي هذا الشعر آفاقا كنت أتحسّسها أكثر في مشاعرهم المتدفّقة من خلال عدّهم لهذا القصيد الذي يجيدونه، وكأنه إكسير الحياة الذي يجعلهم يواصلون العيش وكأنهم لم يغادروا تلك الخيام التي عاشوا فيها سنوات الشظف والحرمان، وظهور تلك المطايا التي عشقوها وبادلوها أيام الرّخاء وفاء بوفاء. وقعت في غرام هذا العالم الرائع الذي كتب عنه فقط عدد من الرّحالة والمستشرقين الغربيين، والإداريين من الانجليز الذين كانوا آخر المتواجدين في هذه المنطقة، وأعجبت بقيم هذا العالم، قيم الخير والمحبة والتضامن، وما كان آباؤنا وأجدادنا يربّوننا عليه خاصة نحن ذوي الخلفيّات القبلية العشائرية الطابع (القبلية والعشائرية بمعانيها الإيجابية). في الحقيقة لم أكن غريبا عن هذا العالم الذي اعتبرت ''القصيد'' مرتكزا أساسيا له. وجدت في عملي البحثي الذي مارسته لسنوات، والذي اعتمد أساسا على اجراء مقابلات مع كبار السن، بحد ذاته عملا ليس سهلا، وكان ولازال يثير عجبي واستغرابي استسهال البعض لهذا الأمر، سواء من بعض الإخوة الزملاء من الصحفيين أو حتى بعض الباحثين (أو على الأقل يفترض أنهم باحثون حسب مسمياتهم الوظيفية) حتى لا نعمّم، إذ إنه يتطلب دقة في التسجيل والتوثيق وقبل ذلك جديّة في الإعداد والتحضير للأسئلة والإلمام بخلفيات الموضوع المراد البحث فيه، حيث إن المعلومات المستخلصة سترفد وستبقى للأجيال القادمة. إن عملية تفريغ الأشرطة نصوصا توثيقية تتطلّب من الباحث التّأنّي والصبر وكذلك معرفة اللّهجات، ففي الإمارات هناك عدّة لهجات وليس لهجة واحدة فقط.
الواقع والكتابة
قد لا نستغرب اليوم من صحفي لا علاقة له بالتراث البدوي يكتب عن رحلة قنص مثلاً، وهو لا يمكنه لفظ الكلمة ونطقها النطق الصحيح، والأهم من ذلك أنه لم يكلف نفسه ويقرأ على الأقل كتابا أو يرجع الى مصدر، ومع ذلك يُقحم نفسه في مجال لا يفقه فيه، وبنفس المستوى لا نستغرب وجود باحثين في الشعر النبطي المحلي، كما اعتادوا أن يقدموا أنفسهم في وسائل الاعلام، يتحدثون عن جهودهم في جمعه وتحقيقه بل وينظّرون في هذا المجال، ويؤلفون الكتب ويصدرونها، وهم لا يعرفون كيف يقرأون هذا الشعر ولا يمكنهم نطق مفرداته النطق الصحيح ناهيك عن فهمهم لمعانيها. وهنا قد يقول قائل، لكن المستشرقين أيضاً كانوا يبحثون في الشعر النبطي وتراث البدو والبداوة وهم ليسوا عربًا ولا بدواً، ورغم أن المقارنة هنا قد تكون مجحفة برأينا بين باحث عادي، أو لنقل مدّعي بحث ومستشرق، ولسنا ممن يتعصبون للغرب في كل شيء، ولكن الحق يقال، وحسب اطلاعنا، فإن مستشرقاً أراد أن يكتب عن عادات وتقاليد قبيلة من القبائل العربية، لكنه قبل ان يشرع في الكتابة بحث أولاً، وتعلّم اللغة العربية حتى أتقنها قراءة وكتابة، وقرأ كَمّا من المراجع، ثم جاء بعد ذلك من بلده حيث العيش الناعم الرغيد ونزل الميدان، مستعداً لعمل ميداني شاق، فعاش بين أبناء هذه القبيلة في خيمة في الصحراء يتنقل معهم حيث يذهبون صيفاً وشتاءً ولمدة ثماني سنوات ليخرج بكتاب عنوانه ''عادات وتقاليد بدو الرولة'' ذلك ما فعله المستشرق النمساوي أو التشيكي الويس موزل، فمن يمكن أن يفعله من باحثينا اليوم ونحن في عصر العولمة وسهولة الاتصالات حتى بات فيه العالم من حولنا قرية كونية واحدة!
لا زلنا نتكلم عن ضرورة العمل الميداني، وضرورة تسجيل جمع الروايات الشفهية، ولكن ماذا قدّمنا نحن كباحثين بعد مضي أكثر من ربع قرن. رغم اننا ومن الإنصاف ينبغي أن نعترف أن الجهود لا زالت فردية والعمل المؤسسي لا زال قاصراً ويحتاج الى إعادة نظر. رغم ان الباحثين في التراث المحلي الاماراتي يعدّون على أصابع اليد، لكن جهودهم لا زالت مشتتة لا رابطة أو جمعية تجمعهم ولا مؤسسة تنصفهم وبكل صراحة وأتكلم عن تجربة لا زالوا إلى اليوم لا يعاملون المعاملة اللائقة!
جمع الروايات
تعوّدت أن أحرّر مادّة المقابلات المفرّغة حال تفريغها بنفسي، حتى لا تفقد ذلك الزّخم الذي قيلت فيه.. مرّت عليّ أيام سكنت لوحدي في هذه القرية الوادعة، وكنت ولا زلت على علاقة جيّدة مع أبنائها من الجيل الشاب، ونتيجة لاندماجي بمجتمع ''الهير''، حسبت نفسي واحدا من أهله، حتى بت أعرف الولد الصغير وأخاه الأكبر وأباه وأمه وجدّه وجدّته لأني كنت أتعامل مع كل هؤلاء في حياتي اليومية العادية. حتى أذكر اني كنت أحضر أشواط سباقات الهجن التي كان يحضرها أهالي الهير في منطقة ''مركاض الجبيب'' القريبة منذ ساعات الفجر الأولى، وقد صوّرت بعضها بكامرتي. كنت أتابع كما يتابع ذوو الشأن من أصحاب الهجن الأصايل مجريات السباق على الارض في المضمار، وليلا كنت أستكمل ما فاتني من المشاهد بمتابعة الاشواط على شاشة التلفزيون، والتي كان لأهالي الهير نصيب كبير في الفوز بـ ''الشّارات'' والجوائز التي كان يرصدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات ''طيّب الله ثراه''، حتّى أذكر أن أهالي الهير لقّبوني في ذلك الوقت بـ ''راعي الشّبلة'' وهو لقب لا أنكر أني أحببته. كنت أنشر بعض قصائد النثر في صحيفة ''الخليج'' وقتها، وأكتب بعض المقالات الأسبوعية ذات النّفس الشعري على صفحتها الأخيرة، وفي مجتمع الهير الذي وجدت فيه ضالّتي كما يقولون، كانت بوصلة تفكيري قد اتجهت نهائيا ناحية البحث عن الزّمن القديم، زمن الذاكرة والتاريخ. لقد قضيت سنوات في الهير كانت في الحقيقة فصلا هاما في حياتي وتكويني، رحيق عمري الذي مرّ ولن يتكرّر كما أظن. كان لا بد من وسيلة من الوسائل لاصطياد تلك اللحظات الهاربة من العمر الى غير رجعة، قيّدوا العلم بالكتابة، هكذا قال علماء أمّتنا الأفذاذ، وهكذا فعلت. سكنت في الهير في غرفة، سميتها صومعتي، وكانت فسحة أسطّر فيها تجاربي وتجلّياتي وأهدافي.
أول حديث أجريته عن الحياة قديما في الهير، قبل بناء المساكن الشعبية، كان مع الوالد سعيد بن سالم الكتبي المعروف بالسّعودي، وأخيه الوالد حماد بن سالم الكتبي رحمهما الله، ومعهما الوالد مفرح بن محمد بن ثاني بالرويس الكتبي والشاعر معيوف بن شوين الكتبي وكان ذلك أول لقاء وكان قصيرا ونشر في احد ملاحق صحيفة ''الخليج'' وقتها.. كنت أبحث عن بعض الصور القديمة لوجوه حميمة التقيتها، وجدت صورهم، الراحلين منهم والباقين، فأجريت حوارا مع من بقي منهم، أطال الله في أعمارهم، وحوارات عن حياة من رحل منهم عرفانا وتخليدا لذكراهم وضعتها في كتاب أتمنى أن يصدر قريباً.
جمعت الكثير من الحكايات والروايات التاريخية غير المدونة والكثير من القصائد التي يستمتع بها السامع، بل وينتشي لها طربا، وقد كتبتها مدونة مباشرة من أفواه الرواة أو الشعراء أنفسهم. كنت، ولا زلت في مطاردة يومية مع الزمن وتقلباته وأحواله مثلي مثل غيري من البشر، فالزمن يمضي ولا يتوقف، ونحن نعد المحطات التي نمر بها، حتى عندما أنام ليلا، أساجل النوم العصّي أحيانا، تتراءى لي صورهم، وجوههم البشوشة، الطيبة، عبارات الترحيب التي تأسرك، كرمهم وأريحيتهم، ودّهم الخالص دون تزويق أو نفاق عصري اعتدناه اليوم، صدق التعامل، وبساطة الانسان الاماراتي الذي عاش قسوة الماضي بصبر ودأب، ساعيا في الأرض، يجري أحيانا متغربا عن وطنه، أو مصارعا لجاج البحر وأهواله، بحثا عن لقمة العيش والرزق الحلال، وسجّل تلك المعاناة بقصيدة، التقطتها منه في لحظة تجلّي ودوّنتها، فرحاً بما حصلت عليه من بديع الكلام، وهي عند العربي منذ القدم ليست صنعة وحرفة، بل هي نبع من حياته ودفق من روحه. هي أسلوبه الابداعي ورؤاه الجمالية.
يقول أهل الأنثروبولوجيا إن الباحث يولد مرّتين، الأولى عندما تلده أمه أما الثانية فهي عندما يولد من جديد عبر تجربة بحث ميداني زاخرة، تدفع به ليكتشف عوالم الآخرين وتواريخهم، وسيكتشف في الوقت ذاته عالمه الفردي والذاتي. نعم أحس اليوم فعلا وكأن الهير هي كما ذكرت في البداية، مكان ولادتي الثانية.
ومهما سطّرت من تقدير عظيم وشكر جزيل لأهل الهير فرداً فرداً، إذ إن قريتهم قد أصبحت قريتي وقرية للمؤرخين والأجيال القادمة ليكتشفوا من خلال عالمها عوالم ماضي الإمارات وتاريخها، والى كل آبائي من رواة وشعراء التقيتهم وسجلت منهم، والى أبنائهم والى كل من دلّني على راوٍ أو شاعر، لهم مني عميق الشكر والامتنان.
تم ارفاق صور مع المقال ( في الجريدة ) للشاعر مهير بن دري الكتبي والشاعر دغاش بن محمد العامري
اول مره اعرف ان دغاش شاعر !!